الانتقال الى مكتبة الفيديو

 
العراق والموقف الحضاري من المبادئ والقيم الإنسانية! (2)

سياسات انتهاك المبادئ والقيم الإنسانية بالعراق

من يقرأ تاريخ العراق الحديث أو من عاش عقوداً كثيرة منه، كما في حالتي وحالة جيلي، يكون قد تعرّف بشكل مناسب على الموقف الرسمي والشعبي بالعراق من المبادئ والقيم الإنسانية الحضارية التي ناضلت البشرية طويلاً وقدمت الكثير جداً من التضحيات في سبيل صياغتها وتكريسها وممارستها في صالح الإنسان والمجتمع. ومع وجود دول كثيرة تمارس الكثير من تلك المبادئ والقيم، كما هو الحال في الدول الغربية، إلا إنها لم تصل إلى الكمال والمنشود في ذلك، كما في موضوع المساواة التامة بين المرأة والرجل، أو الموقف من اللاجئين إليها، أو واقع البطالة وتوزيع الثروة، ولاسيما حالة التفاوت الطبقي وتفاقم الفجوة بين الغنى والفقر وضعف المساواة في الخدمات، والتي ترتبط عضوياً بطبيعة النظام الاقتصادي الاجتماعي السائد فيها حتى الآن. ومع ذلك فهي قد قطعت شوطاً مهماً وكبيراً في تكريس أهم تلك المبادئ وممارستها والنضال في سبيل تحسين تلك الممارسة وتطويرها، ولكننا جميعاً نعيش خيبة أمل شديدة وإحباط لحالة حقوق الإنسان التي يعيش تحت وطأتها الإنسان العراقي منذ تأسيس الدولة العراقية الملكية الحديثة حتى الوقت الحاضر. ويمكن أن نلاحظ أوضاعاً مماثلة لما جرى ويجري بالعراق في كل دول المنطقة دون استثناء، وهي الإشكالية التي تستوجب من مناضلي شعوب هذه البلدان المزيد من العمل الفكري والاجتماعي والنضال السياسي لتغيير هذا الواقع المأساوي الذي ما تزال تعيش فيه وتئن منه شعوب هذه البلدان بقومياتها العديدة وأتباع دياناتها ومذاهبها المتنوعة واتجاهاتها الفكرية الديمقراطية.

فإذا تجاوزنا ما حصل بعد الحرب العالمية الأولى وفترة الانتداب البريطاني على العراق حتى العام 1932، فأن مشكلات العراق والتجاوزات الفظة على حقوق الإنسان والجماعات قد بدأت في العام 1932 حين انتفض البارزانيون احتجاجاً على عدم منحهم الحكم الذاتي في إطار الدولة العراقية التي قبلت عضوا في عصبة الأمم، ومواجهتها بالقوة. ثم تنفيذ جرائم بشعة في العام 1933 بديرابون وسهل سميل بلواء الموصل ضد الآشوريين، بسبب مطالبتهم المشروعة بأرض يسكنون فيها ويديرونها، باعتبارهم متمردين. ثم نفذت ضربات عسكرية جوية وبرية ضد منتفضي العشائر في جنوب العراق بين 1935/1936. وقد أوقعت جميع تلك العمليات العسكرية في شمال العراق وكردستان والجنوب ضحايا كثيرة كان المنفذ لها الفريق بكر صدقي العسكري، علماً بأنه كان بالإمكان معالجة جميع تلك المشكلات بالطرق السلمية الحضارية. ثم جاء في العام 1936 انقلاب بكر صدقي وانتهى بقتله بالموصل في العام 1937، وحصلت بعدها حملة اعتقالات واسعة. وفي العام 1938 صدر قانون مخالف لبنود الدستور العراقي لعام 1925 ومضامينه حول حرية الرأي والعقيدة، إذ اعتبر القانون اعتناق الفكر الشيوعي جريمة يعاقب عليها القانون.

في العام 1941 جاء انقلاب آخر قام به "حزب الشعب" القومي اليميني وبخلفية فكرية شوفينية أقرب في مضمونها إلى النازية والتحالف السياسي مع الدولة الألمانية الهتلرية، بقيادة رشيد عالي الكيلاني ومحمد أمين الحسيني، مفتي الديار الفلسطينية، وكان على رأس الانقلاب أربعة من العقداء العسكريين الذين أطلق عليه "بـ "المربع الذهبي" في حينها. واخذت حكومة رشيد عالي الكيلاني قيادة البلاد وخاضت الحرب ضد القوات البريطانية التي كانت معسكرة في الحبانية (سن الذبان) والشعيبة بالبصرة. وانتصرت القوات البريطانية في هذه المعارك وتسلم أرشد العمري الحكم بالبلاد وشكل وزارة جديدة، وعاد الوصي من البصرة إلى بغداد. ورغم هروب قادة الانقلاب المدنيين والعسكريين، فأن الدول التي لجأ إليها قادة الانقلاب، سلمت العسكريين منهم إلى الحكومة العراقية وتمت محاكمتهم بسرعة وحكموا بالإعدام ونُفذ بهم الحكم في الخامس من مايس/أيار 1942، أي بعد مرور عام على وقوع الانقلاب، وهم العقداء صلاح الدين الصباغ، فهمي سعيد، محمود سلمان وكامل شبيب. إن فشل الانقلاب قاد إلى تنفيذ عمليات اعتقال واسعة جداً ومورس فيها التعذيب والإساءة للمشاركين او المؤيدين للانقلاب القومي، علماً بأن الانقلاب حظي في حينها بتأييد واسع من الشعب العراقي بسبب بغضهم لبريطانيا التي كانت ترسم السياسة العراقية الخارجية للعراق بشكل خاص وللحكام العراقيين.

وفي العام 1943 انتفض الكرد بقياد الملا مصطفى البارزاني، ولكنها لم تحقق ما كانت تسعى إليه، وبرزت الحركة مرة أخرى في العام 1946، ولكن أجبر الكرد على الهروب من العراق تحت ملاحقة القوات العراقية إلى إيران ومشاركتهم في الثورة الكردية بمدينة مهاباد بكردستان إيران وإقامة جمهورية مهاباد في العام 1946 بقيادة القاضي ملا محمد والتي لم تدم طويلاً وأعدم القاضي في أحدى أكبر ساحات مدينة مهاباد، وأجبر على إثرها هروب جمهرة من الكرد المسلحين بقيادة الملا مصطفى البارزاني وعبورهم الحدود إلى الاتحاد السوفييتي حيث قبلوا هناك كلاجئين. إلا إن الحكومة العراقية ورغم وعدها والتزامها الرسمي بعدم محاكمة العسكريين المشاركين بتلك الحركة وإصدار العفو عنهم، قامت بإعدام القادة العسكريين الكرد الأربعة الذين شاركوا في النضال السياسي الكردي وسلموا أنفسهم للحكومة العراقية. وقد اقام الشعب الكردي لهم تماثيل بالسلمانية تخلد ذكراهم، وهم الرائد الركن عزت عبد العزيز والرائد مصطفى خوشناو والنقيب خير الله عبد الكريم والملازم محمد محمود قدسي، باعتبارهم شهداء الحركة التحررية الكردية.

وبعد فترة قصيرة من الانفتاح الديمقراطي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بدأت الحكومات العراقية المتعاقبة تمارس سياسات قمعية ومحاولات ربط العراق بالأحلاف العسكرية فكانت وثبة كانون وقتل عدد من المنتفضين المشاركين واعتقال المئات منهم وزجهم في السجون. وقد استغل الحكم الضربة التي وجهت لوثبة كانون وتراجع الحركة التحررية العراقية فقرر إعدام خمسة من قادة الحزب الشيوعي العراقي الذين كانوا قد اعتقلوا في العام 1947 و1949، فصدرت بحقهم أحكاماً بالإعدام، على وفق اتفقا تم بين الحكومة العراقية والبلاط الملكي والسفارة البريطانية، ونفذ حكم الإعدام بهم في العام 1949 وهم يوسف سلمان يوسف (فهد) وزكي بسيم وحسين محمد الشبيبي، أعضاء المكتب السياسي للحزب، وكل من ساسون دلال ويهودا صديق يهودا، إذ أصبحا مسؤولين عن الحزب بعد اعتقال السكرتير العام وعضوي المكتب السياسي. وفي العام 1952 انطلقت انتفاضة شعبية عارمة تتوجت بفرض حكم عسكري على العراق واعتقال الآلاف من الناس المنتفضين وزجهم في السجون وقُتل البعض منهم برصاص الشرطة.

ويمكن القول بأن العراق ومنذ العام 1946/1947 بدأ يمارس المزيد من الأساليب القمعية لمصادرة الحقوق والحريات العامة وانتهاك الكرامة الإنسانية باستخدام أساليب تعذيب شرسة يعود بعضها إلى القرون الوسطى وأخرى من ترسانة النازية والتاريخ العربي الإسلامي السلبي بحق المعتقلين والسجناء السياسيين من النساء والرجال على أيدي رجال التحقيقات الجنائية، هذه الدائرة التي أسستها سلطات الاحتلال البريطانية في العام 1920/1921، وكان نوري السعيد أول عراقي وقف على رأسها. وفي العام 1955 أصدرت الحكومة الملكية برئاسة نوري السعيد سلسلة من المراسيم الاستبدادية المنافية للدستور العراقي، فحلت الأحزاب السياسية ومنعت منظمات المجتمع المدني وزجت في سجونها الكثير ممن اتهموا بعضوية الأحزاب والمنظمات المهنية والنقابات العمالية وحركة أنصار السلام العالمي، كما أسقطت الجنسية العراقية عن عدد من خيرة المناضلين الشيوعيين والديمقراطيين، وكلها كانت تجاوزات ومخالفات صريحة وفظة للدستور العراقي. مما أدى إلى ارتفاع مستوى التذمر الشعبي والبغض للحكومة واساليبها في قمع الشعب والانتقاص من حريته وكرامته وتزييف إرادته في الانتخابات العامة. كل ذلك، إضافة إلى حالة الفقر والبطالة وتهميش فئات من المجتمع ومطاردة الفلاحين الهاربين من جور الإقطاعيين وكبار الملاكين وإعادتهم إلى الإقطاعيين وكبار الملاكين الذين هربوا منهم ليعانوا الأمرين على أيديهم، أدى كل ذلك وغيره إلى انفجار الغضب الشعبي المتراكم بانتفاضة 1956 ضد كل تلك السياسات. كما كان لروح ورغبة التضامن مع الشعب المصري، الذي كان قد أمم قناة السويس ورفض الخضوع لبريطانيا وفرنسا، مما عرضه لعدوان ثلاثي بريطاني-فرنسي-إسرائيلي في العام 1956 وبتأييد من الولايات المتحدة الأمريكية التي رفضت في حينها تمويل السد العالي، الذي كانت قد التزمت بتنفيذه، بسبب قيام علاقات بين مصر والاتحاد السوفييتي وشراء الأسلحة حينذاك. وقد تعرض الشعب في أعقاب الانتفاضة إلى عملية انتقام قاسية جداً بيد الحكام الرجعيين والتي أدت إلى استشهاد وإعدام العديد من المناضلين وإلى اعتقال وسجن المئات وتعذيبهم بشراسة وهمجية مريعة. وقد أعدم اثنان من الشيوعيين بمدينة "الحي" لقيادتهم الانتفاضة بمدينتهم وهما الشهيد علي الشيخ حمود وعطا الدباس.

إن هذه الأوضاع السياسية، وخاصة الركض وراء الأحلاف العسكرية وارتباط العراق بحلف بغداد والسياسات العسكرية المعادية للمعسكر الاشتراكي، والنهج القمعي الداخلي والدفاع عن كبار الملاكين والكومبرادور التجاري، قادت إلى حصول تحالف بين قوى المعارضة الوطنية باسم "جبهة الاتحاد الوطني" واختارت لها لجنة عليا، والتي ضمت الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال والحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث، إضافة إلى إقامة علاقة قررتها اللجنة العليا مع الحزب الديمقراطي الكردي بقيادة الملا مصطفى البارزاني عبر الحزب الشيوعي العراقي، استطاعت اللجنة العليا أن تقيم تعاوناً وتنسيقاً مع حركة الضباط الأحرار، لتنفذ في 14 تموز 1958 انتفاضة عسكرية تحولت في الأيام الأولى منها إلى ثورة شعبية عارمة حققت في الفترة الأولى من عمر الثورة مجموعة من الأهداف المهمة التي كانت الحركة الديمقراطية العراقية تناضل من أجل تحقيقها.

لم تلتزم حكومات النظام الملكي بالعراق، حتى بعد مشاركة العراق في وضع اللائحة الدولية لحقوق الإنسان والتوقيع عليها بهذه اللائحة وبنودها الأساسية في نهاية عام 1948، بما في ذلك احترام وممارسة مبادئ الحرية والديمقراطية والفصل بين السلطات الثلاث واحترام القضاء وعدم التدخل في شؤونه من جانب السلطة التنفيذية، والمساواة بين المواطنين وبين المرأة والرجل ومكافحة البطالة والأمية والفقر بالبلاد. وقد أسس هذا النظام لما جاء بعده من ظلم واضطهاد وجور وعدم احترام الدستور والقوانين المرعية، إضافة إلى ممارسة سياسات التهميش والإقصاء للقوميات الأخرى وأتباع الديانات الأخرى أيضاً.

انتهت الحلقة الثانية وتليها الحلقة الثالثة.

  كتب بتأريخ :  الأحد 05-11-2017     عدد القراء :  87       عدد التعليقات : 0